فخر الدين الرازي
46
تفسير الرازي
أخرى ، فكيف ولو خلطت بها محظوراً مثل أن تتقدم على إمامك ، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص ، فإذا طلبت بذلك سرور والدك أو ولدك يزول الإخلاص ، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص ؟ وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله : * ( مخلصين ) * قال بعضهم : مقرين له بالعبادة ، وقال آخرون : قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة ، وقال الزجاج : أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره ، ويدل على هذا قوله : * ( وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً ) * . أما قوله تعالى : * ( حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) * ففيه أقوال : الأول : قال مجاهد : متبعين دين إبراهيم عليه السلام ، ولذلك قال : * ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) * وهذا التفسير فيه لطيف كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضاً بالكلية ، فلا جرم ذكر قوماً أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم ، وهو إبراهيم ومن معه ، فقال : * ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ) * فكأنه تعالى قال : إن كنت تقلد أحداً في دينك ، فكن مقلداً إبراهيم ، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران ، ومن ماله حين بذله للضيفان ، ومن ولده حين بذله للقربان ، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه ، ولم ير شخصاً فاستعاده ، فقال : أما بغير أجر فلا ، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام ، وقال : حق لك حيث سماك خليلاً فخذ مالك ، فإن القائل : كنت أنا ، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال : أما إليك فلا ، فالحق سبحانه كأنه يقول : إن كنت عابداً فاعبد كعبادته ، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السلاطين ، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين ، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم ، فاجتهد في متابعة ولده الصبي ، كيف انقاد لحكم ربه مع صغره ، فمد عنقه لحكم الرؤيا ، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل ، وهو أم الذبيح ، كيف تجرعت تلك الغصة ، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الإثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإرث ، والرقيقة نصف الحرة بدليل إن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل ، ثم أنظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف ، لا يكلمها ولا يعطف عليها ، قالت آلله أمرك بهذا ؟ فأومأ برأسه نعم ، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاق . والقول الثاني : المراد من قوله : * ( حنفاء ) * أي مستقيمين والحنف هو الاستقامة ، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل ، كقولنا : للأعمى بصير وللمهلكة مفازة ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ) * * ( اهدنا الصراط المستقيم ) * . والقول الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما حجاجاً ، وذلك لأنه ذكر العباد أولاً ثم قال : * ( حنفاء ) * وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة وإنفاق مال الرابع : قال أبو قلابة